
ذكريات المثقف الإنسان /عبد العزيز الكميم هي مرجع تاريخي من تاريخ الوطن
بقلم دولة البروفيسور عبدالعزيز صالح بن حبتور
ذكريات المثقف الإنسان /عبد العزيز الكميم هي مرجع تاريخي من تاريخ الوطن
أفرحني وأسعدني كثيراً زميلي الأستاذ المثقف/ عبدالعزيز بن ناصر الكميم، حينما طلب مني أن أكتب مقدمة لكتابه الجديد والذي يحمل عنوان (خربشات على جدار الزمن)، هذا الكتاب هو عبارة عن رصدٍ وتوثيق ٍوانطباعاتٍ وحكاياتٍ عاشها طيلة مرحلة ٍهامةٍ من عمره، حيث ًتناول في الكتاب المكثف المراحل الآتية من عمره:
أولاً: مرحلة الطفولة والشباب والدراسة حتى الجامعة.
ثانياً: مرحلة العودة من الخارج والبحث عن هوية الخريج بين أروقة الدوائر والمؤسسات الحكومية.
ثالثاً: مرحلة القيادة في الصف الإداري الأول كوزيرٍ للتجارة والتموين والصناعة.
رابعاً: مرحلة تكليفه كسفير ٍلليمن لدى جمهورية مصر العربية.
خامساً: مرحلة عضويته في مجلس الشورى.
أولاً: المراحل الأولى من حياة الأستاذ/ عبدالعزيز في مدينة صنعاء:
استعرض الأستاذ/ عبدالعزيز الكميم، في مدخل كتابه الجميل البدايات الأولى عن سيرته وزمالاته وصداقاته، وكانت بطبيعة الحال مرحلة التشكُل الأول في الحي الذي ولد فيه وترعرع مع مجموعة من زملاء المرحلة، وهي بطبيعة الحال المدماك الأول في رحلته نحو النمو الجسماني والعقلي والذهني وحتى في موضوع تشكُل الوعي الفكري لديه، وأعجبني كثيراً أنّ ذاكرته لازالت متقدةً ومتوهجة وكأنه شاب في العشرين من عمره، لأنّه يتذكّر بشغف (حي الأبهر) بصنعاء القديمة، تذكّر زملاء الطفولة اليافعة أمثال أبناء الشيخ/ عزيز الزنداني رحمة الله عليه، وهم عبدالمجيد، وعبدالواحد، وأمين ومنصور، وكذلك الشيخ/ عبدالله بن حسين الأحمر رحمة الله عليه وأبنائه صادق وحميد، وتذكّر بحزنٍ عمه الشيخ/ سنان أبو لحوم، وهكذا ظلّت تلك الذكريات منقوشةً في ذاكرته وأفرد لها مساحةً في كتابه.
تذكّر بشئٍ من الحنين تَكوُّن حي ٍخاص (بآل الكميم) الذين نزحوا من محافظة ذمار منطقة الحداء وأنّ هذا التجمُع الأسري مكّنهم جميعاً من التعاون والتآزر الأخوي، حيث اتجهوا بعد ذلك إلى المدارس والمعاهد والكليات الحربية والعسكرية.
تذكّر أيضاً في سياق استعراضه للشخصيات التي صادفها وتركت لديه ملمحاً من زمن الطفولة، تلك الشخصية هي شخصية محورية في حركة
الإخوان المسلمين وهو “العزي اليدومي” والذي يشغل حالياً رئيس التجمع اليمني للإصلاح ويقيم حالياً بين الدوحة وإسطنبول وذلك قبل أن يعرف بتوجهاته الفكرية.
وفي تلك المرحلة المبكرة أيضاً من شبابه تمَّ استقطابه إلى إحدى الخلايا التنظيمية الحزبية للحزب الديمقراطي ذات التوجه الفكري اليساري، كان للأستاذ المناضل/ عبدالله علي الكميم دور في استقطابه للعمل السياسي السري آنذاك، لكنه لم يُكمل المشوار وطلب إعفاءه من عضوية الحزب في وقتٍ مبكر، وقيل له بأن القيادة ستوافق على طلبه بشرطين:
الشرط الأول: أن لا يُفشي السر بعضويته وزملائه بالخلية السرية التنظيمية.
الشرط الثاني: عليه أن يُعيد ما بحوزته من كتبٍ مستعارة وهي بطبيعة الحال من الكتب اليسارية.
وهذه تجربة ثرية يعيشها شابٌ (صنعاني) في مُقتبل العمر، ولهذا نلمس هذه السحنة اليسارية في بعض الملامح من أطروحاته ومداخلاته.
أيضاً يستعرض بإسهاب مراحل الدراسة في الإبتدائية والإعدادية والثانوية، ويتذكر بنبرةٍ موجوعة ٍ فراق عدد من المدرسين رحمة الله عليهم ومنهم يمنيين وعرب، كذلك تذكر عدداً من رفاق دراسته، وتذكر زملاء ًله من محافظة شبوه، وكانوا من أبناء العوالق الذين درسوا معه في مراحله الدراسية.
أولاً: مرحلة الاغتراب للدراسة في جمهورية مصر العربية:
مصر العروبة كانت ولازالت بلداً ومجتمعاً ذا ثقافة لاستقطاب معظم الشباب العرب، وهي بلد الثقافة العروبية الأصيلة، وبلد الإنتاج الفكري، وبلد المؤسسات الأكاديمية التي ينجذب إليها آلاف الشباب العرب والأفارقة والآسويين والغربيين، لأنها بلد التنوير الثقافي العربي والإنساني برُمّته، لذلك قرّر الكميم السفر للدراسة هناك، وكان الشباب والطلاب يلتقون لدى الأستاذ/ محسن العُديني في شقة واسعة خصّصها للطلاب القادمين إلى القاهرة وقبل أن يرتبوا أوضاعهم السكنية والدراسية وغيره، أي أنّ منزل الأستاذ/ محسن العديني رئيس وزراء اليمن سابقاً هي المحطة الأولى للنزول في القاهرة، وبعدها يتفرّق الجمع كلاً حسب وجهته وكليته.
قام الأستاذ/ عبدالعزيز الكميم وفور وصوله بزيارة أصدقاء والده وهما اللواء/ عبدالله جزيلان رحمة الله عليه، والرئيس/ عبدالله السلال أول رئيس لليمن بعد ثورة 26سبتمبر رحمة الله عليه، وهناك شددا عليه أن يكون حريصاً على الاهتمام بالدراسة والمثابرة والتحصيل العلمي.
ومن ثم تمّ قبوله في جامعة حلوان وهي جامعة فتية أنشئت حديثاً واستمر بها حتى أنهى دراسته الجامعية بعد أربع سنوات من معاناة التعليم والتحضير والاختبارات إلى أن حصل على شهادة البكالوريوس، وكان حدثاً باهراً له ولأسرته وأصدقائه.
ثانياً: مرحلة العودة من الخارج والبحث عن هوية الخريج بين أروقة الدوائر والمؤسسات الحكومية:
بطبيعة الحال فإن أيّ شاب حين إنهائه لمرحلة الدراسة يبدأ في البحث الجاد عن فرصةٍ للعمل في أية إدارة أو مؤسسة حكومية، ويبدأ بتوظيف علاقاته وقدراته وأصدقائه كي يحظى بفرصة العمل التي يراها مناسبة لقدراته وإمكاناته ومواهبه.
وصديقنا /عبدالعزيز لم يشُذ عن هذه القاعدة، بل كرر زياراته وبحثه عن موقع يليق بجهده ودراسته الجامعية، وبعد جهدٍ جهيد حصل على فرصة التوظيف في مؤسسة التجارة الخارجية، وصدر له قرار التعيين كموظف تحت التجربة لمدة ثلاثة أشهر في وظيفة (بإدارة العلاقات الخارجية والعلاقات العامة بالدرجة الخامسة وبمرتب نهائي 2416 ريال)،
كان هذا يوماً له شأنٌ عظيم في حياته وفي حياة كل خريج يعود إلى سوق العمل ويحصل على وظيفة مع راتب مضمون نهاية كل شهر، هذا حال معظم الشباب الخريجين من الجامعات الوطنية أو العربية أو الأجنبية، لأنه جزء من عوامل استقرار الفرد في المجتمع.
ثالثاً: مرحلة القيادة في الصف الإداري الأول كوزير للتجارة والتموين والصناعة:
في تاريخ 16 مايو 1998م تمّ الإعلان عن حكومة جديدة في إطار سياسة التجديد الإداري، وبعد أن قدّم الدكتور/ فرج بن غانم رئيس الحكومة استقالته عن المنصب لأسباب صحية كما قال، وعلى أثر تلك الاستقالة تمّ تكليف السياسي اليمني المخضرم الدكتور/ عبدالكريم الإرياني كرئيس جديد للوزراء، مع العلم بأنّ حكومة/ بن غانم لم تدُم في الحُكم سوى عاماً واحداً فحسب، وكانت التعديلات في أسماء الحكومة طفيفة، وكان من بين الوجوه الجديدة القادمة في حكومة الدكتور/ الإرياني هو الأستاذ/ عبدالعزيز بن ناصر الكميم، وقد كُلِّف بحقيبة وزارة التجارة والتموين، ولكونه متخصصاً في الاقتصاد، ولديه تجربة قيادية في عدد من المؤسسات الاقتصادية والمالية، فإنه يعرف الشخصيات والكادر الإداري في العديد من مؤسسات الدولة، ومنها وزارته الجديدة التي برع في إدارتها للسنوات التي تلت قرار تنصيبه في ذلك المنصب الرفيع.
رابعاً: مرحلة تكليفه كسفير لليمن لدى جمهورية مصر العربية:
تشير الدراسات التاريخية بأن تجربة العمل الدبلوماسي يتم باختيار أكفأ الأشخاص وأقدرهم على تمثيل البلد خير تمثيل، وأن تكون شخصيته ملائمة لهذا العمل الدبلوماسي الحساس والخطير معاًً، ويجب أن تكون لدى السفير المرشح لمهمة تمثيل بلده مجموعة من الخصائص والمواصفات والمؤهلات الذاتية والموضوعية لتمثيل وطنه وأمته، وبكلمات معززة لنجاح الفكرة، يجب أن لا يكون عمل السفير عبارة عن تمضية وقت للسياحة والفسحة أو أن يكون موقعاً للتكسب الشخصي أو يكون المنصب مكافأة لنهاية الخدمة أو بهدفٍ خبيث هو سياسة (النفي الناعم) الإبعاد عن الوضع السياسي الداخلي، كل ذلك ورد في أكثر من مصدر تاريخي لشرح تجارب العمل الدبلوماسي للدول والممالك وحتى الإمبراطوريات.
ومن خلال استعراض ما كتبه سعادة السفير المخضرم الأستاذ/ عبدالعزيز الكميم الذي عُيِّن كسفير لليمن في جمهورية مصر العربية في حكومة الأستاذ/ عبدالقادر باجمال في العام 2001م، بأنه استطاع بعلاقاته في الداخل المصري من خلال إحياء علاقاته وتأثيره القديم حينما كان طالباً في إحدى الجامعات المصرية، وقُربه من مركز القرار في اليمن، استطاع أن ينسج علاقات دبلوماسية أخوية مع المؤسسات التعليمية والأكاديمية كالأزهر الشريف وغيره، والثقافية كمراكز البحوث الثقافية المصرية، ومع عدد من المؤسسات الاقتصادية والإنسانية وما أكثرها في جمهورية مصر العربية، وخرجت الجمهورية اليمنية من هذه العلاقة النشطة بحصيلة وافرة وإيجابية من هذه العلاقة المميزة.
ولكونه انتهج الفكر العروبي اليساري في مقتبل عمره وتحديداً في مرحلة مراهقتة السياسية فقد سهَّل له ذلك من نسج جملةٌ من المعارف مع الشخصيات الفكرية والفلسفية والثقافية، ومصر تُعدُّ المدرسة الأوسع في عالمنا العربي التي امتلكت ناصية كل هذه الاختصاصات الفكرية، كيف لا وهي مصدر التنوير الثقافي والعلمي والفكري على مدى قرون ٍخلت من التراكم الحضاري، وهي تُعدُّ مُؤخراً مصدراً داعماً لجميع حركات التحرُر الوطني من الاستعمار الأوروبي في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، من خلال توهج الفكر الناصري التحرري في حقبة الخمسينات والستينات من القرن العشرين.
أعجبتني لفتة كريمة من السفير الأستاذ/ عبدالعزيز بِذكرِه لاستقبال أبناء الزعيم الخالد/ جمال عبدالناصر في أنشطة السفارة المستمرة نظراً لدور الزعيم/ عبدالناصر القومي التحرري في دعم ومساندة الثورة اليمنية السبتمبرية، وسرد حكاية طريفة بأنّ هناك حقيبة وثائق ٍتاريخية سلمتها الدكتورة/ هدى جمال لمسؤول في وزارة الإعلام اليمنية، وتحوي على خطابات ومحاضرات للزعيم/ جمال عبدالناصر، وأنّ هذه الحقيبة تُعتبر عُهدة و يُُفترض إعادتها، ولكنها للأسف لم تُعُد، ومن هنا اجتهد السفير/ الكميم في التواصل مع المسؤولين في اليمن، وتحديداً مع الأخ اللواء/ علي الشاطر مدير دائرة التوجيه المعنوي آنذاك، وبعد أسابيع من البحث اتصل الأخ اللواء/ علي الشاطر وأخبره بأنهم وجدوا الحقيبة بمحتواها في الأرشيف وسيتم إرسالها في أول رحلة إلى مصر وإلى سفارة الجمهورية اليمنية بالقاهرة، وهنا فرح الجميع بإعادة الحقيبة إلى أهلها.
خامساً: مرحلة عضويته في مجلس الشورى:
في منتصف عام 2008م صدر قرار رئيس الجمهورية بتعيين الأستاذ/ عبدالعزيز الكميم عضواً بمجلس الشورى، هذا المجلس يُعد الغرفة الثانية للتشريع، وبموجب مادة دستورية منحته أن يكون شريكاً في إقرار الخطط التنموية السنوية وإقرار الموازنات العامة للدولة وفي بعض الجوانب ذات الصلة والعلاقة بمجلس النواب.
ساهم الزميل والصديق/ عبدالعزيز الكميم بدوره المُميز مع زملاء عمله الوزراء والسفراء والمحافظين السابقين باعتبارهم خُبراء أكفاء محليين وطنيين تراكمت لديهم الخبرة المصحوبة بالمعرفة النظرية التي كسبوها من زمن شغلهم للمناصب والمواقع الإدارية القيادية في الجهاز الحكومي للدولة اليمنية الحديثة، وبالتالي فهُم خُبراء أكفاء محترمين يقدِّمُون عُصارة تجربتهم لأجهزة الحكومة التي لازالت تعمل بديناميكية في حياتنا العملية، والعديد من هنّات العمل بثغراته العفوية يتم ردمها من تجربة هؤلاء المستشارين من أعضاء مجلس الشورى ذوو لخبرة والتجربة الرصينة المتراكمة.
أهمية أن يُقدم القادة والسياسيين تجاربهم مكتوبةً موثقةً كدروسٍ للأجيال:
جميع الشخصيات القيادية (السياسية والإدارية والدبلوماسية) في أي مجتمع من المجتمعات، بالذات في عالمنا العربي واليمني تحديداً، عليهم أن يُدركوا حقيقة أن تجاربهم القيادية الشخصية حينما تُكتب وتُوثَّق ستكون مفيدة للأجيال القادمة وللتاريخ ولطلاب العِلم في الجامعات والمعاهد وحتى الأكاديميات، لأنّها تجارب حقيقية ومُستقاة من الميدان العملي، وفيها العِبر والتجارب والدروس، وعليهم أن لا يبخلوا بها على الأجيال القادمة.
عليهم التحرُر من ظاهرة الكسل المقيتة التي تتسبب بضياع كنوز من التجارب والمعارف والعلوم التاريخية، أو بسبب التهيُب والخوف من نقد القُرّاء السلبيين المُناكفين، وبالمناسبة هم (أقلية محدودة معزولة)، وكما يُقال بالمثل البدوي (أنّ ما كُتِب قَرْ، وما حُفِظ فَرْ)، لذلك فعملية التوثيق للوثائق والمراسلات والتقارير والدراسات تُعدُّ مصدراً هاماً في إعداد مُذكرات الأفراد، وتحديداً القادة على كل المستويات.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
أ.د/ عبدالعزيز صالح بن حبتور
رئيس مجلس الوزراء – صنعاء
بتاريخ 31/يوليو/2022م



