العقل الجمعي عند إميل دوركايم “يُعتبر إميل دوركايم أول من بحث في مسألة العلاقة بين المعرفة والأطر الاجتماعية، أو على العموم العلاقة بين الفكر والمجتمع. إميل دوركايم هو زعيم المدرسة الاجتماعية الفرنسية في أوائل القرن العشرين.
لقد عرض دوركايم آراءه في هذا الصدد في عدة كتب ومقالات، خاصة كتابه المشهور “الأشكال الأولية للحياة الدينية”. لقد انتقد دوركايم آراء الفلاسفة العقلانيين والتجريبيين معاً، معتبراً أن أساس المعرفة ومصدرها ليس العقل كما رأى ديكارت وليبنيز وسبينوزا، وليس الحس أو التجربة كما رأى لوك وهيوم وباركلي، بل مصدر المعرفة هو المجتمع.
حقاً إن المجتمع يتألف من الأفراد، ولكن في الحقيقة والواقع هو أكثر من الأفراد، هو نسيج معقد من العلاقات الاجتماعية القائمة بينهم. وكما أن لكل فرد عقله الخاص به، فإن للمجتمع أيضاً “عقل جمعي” هو مصدر المعارف السائدة فيه. وبالتالي فإن العقل الجمعي هو مصدر المعارف والأفكار التي يؤمن ويعمل على ضوئها كل فرد من أفراد المجتمع. “العقل الجمعي” ليس مجرد مجموع العقول والأفكار الفردية، بل هو أكثر من ذلك، مثلما أن المجتمع أكثر من أفراده. يقول دوركايم: “إن نفوس الأفراد حين تتداخل وتشتبك وتمتزج، تولد كياناً من نوع نفسي، ولكنه نوع نفسي متميز خاص. إن الجماعة تفكر وتحس وتعمل، خلافاً لما قد يفكر فيه ويحس به ويعمله الأشخاص كما لو كانوا منفردين”.
العقل الجمعي إذاً يختلف عن العقول الفردية، ولكنه يشملها ويهيمن عليها دون أن يشبهها. هو خارج عنها، وفي ذات الوقت يفرض نفسه على عقل كل فرد وعلى تفكيره الخاص. لننظر مثلاً إلى العقائد الدينية والمثل أو الأنظمة الأخلاقية والأفكار السائدة في الأسرة أو في أي إطار اجتماعي آخر، إنها كلها نظم فكرية يجدها الفرد عندما يُولد قائمة جاهزة في المجتمع، منه يتلقاها، وعلى أساسها يتشكل عقله وتفكيره.
نعم، إنها في الأصل من صنع الأفراد، ولكنها حينما دخلت المجتمع أصبحت ذات كيان خاص بها. لنأخذ مثلاً “اللغة” التي لا نستطيع التفكير بدونها، لا في المجردات ولا في المشخصات. ولكن أليست اللغة ظاهرة اجتماعية؟ أليست من صنع المجتمع؟ إذاً، اللغة حسب دوركايم ليست شيئاً آخر غير نتاج العقل الجمعي.
وجملة القول، فإن إميل دوركايم يرى أن العقل الجمعي هو مصدر جميع المقولات الفكرية، وأن كل شيء يخص تفكير الإنسان وسلوكه هو نتاج المجتمع. إن المجتمع عنده هو كل شيء، هو أصل الدين، ومن الدين نشأت الفلسفة والعلم، وهكذا تكون المعرفة كلها في نظر دوركايم نتاجاً للأطر الاجتماعية، بل لذلك الإطار الكبير: إطار المجتمع الشامل. عبر مفهوم “العقل الجمعي” استطاع دوركايم أن يبني سوسيولوجيا المعرفة باعتبارها بديلاً عن الإبستيمولوجيا.”
أ. سلام المصطفى
المراجع:
الأشكال الأولية للحياة الدينية، إميل دوركايم، ترجمة رندة بعث، المركز العربي للأبحاث.