اراء و اتجاهاتالاخبارالاعلام المكتوبشؤون عربية و دوليةشؤون فلسطينشؤون يمنية

خطأ الناخب الأمريكي يتحمل نتائجه العالم كله

✍️ أ‌. د. أحمد قايد الصايدي

 

تسليم القيادة السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية في أقوى إمبراطورية عالمية في هذا الزمن لرجل لا يحسن سوى شراء وبيع العقارات وعقد الصفقات التجارية، ولا يفقه شيئاً في السياسة، ولا يقرأ التاريخ، بل لا يقرأ شيئاً، كما يبدو، وليس له معرفة بجغرافية العالم وأممه وشعوبه وحضاراته الضاربة في عمق التاريخ، تسليم القيادة لرجل بهذه المواصفات خطأ تاريخي كبير. فالعمل في دائرة البيع والشراء وحساب الربح والخسارة وفقاً للمعايير التجارية البحتة، لا يؤهل صاحبه لإدارة امبراطورية مترامية الأطراف، في نفوذها وعلاقاتها وتأثيرها الاقتصادي والمالي والعسكري والأمني، بحجم الولايات المتحدة الأمريكية.

ويكفي أن نسمع خطابات السيد ترامب ونقرأ تغريداته ونتابع مؤتمراته الصحفية، لندرك، دون صعوبة، بأنه شخص غير مؤهل لقيادة أكبر دولة في العالم. فعندما يتحدث، لا تشعر بأنك أمام قائد سياسي يعي ما يقول، بل أمام تاجر لا يحسن سوى المساومة وتسويق نفسه وسلعته بصورة لا تتناسب مع المنصب السياسي الذي يشغله. حديثه مرتبك، متناقض، متدني المستوى وخالٍ من المحتوى. تحاول أن تفهم منه شيئاً، وما أن تظن أنك فهمت من مفرداته الغريبة فكرة معينة، حتى ينقضها في اللحظة نفسها. وبعد أن ينهي استعراضه الهزلي لا يبقى في الذاكرة مما قاله شيءٌ ذو قيمة. فمعظم حديثه يدور حول نفسه وبطولاته ومنجزاته الوهمية، التي، بحسب رأيه، لم يستطع أي رئيس أمريكي قبله أن يحققها.

حالة من الانفصام عن الواقع غير مسبوقة، وأحاديث مكررة، عن منجزات وهمية مضحكة، يسخر منها حتى الأطفال: فقد حدثه شخص وأبدى إعجابه به وبمنجزاته (المذهلة). وتحدث مع آخر وقال له كلاماً (رائعاً). وحاور شخصاً ثالثاً وانتهى من حواره معه إلى نتائج (عظيمة). وقال له شخص حاصل على جائزة نوبل: أنت تستحق هذه الجائزة. وقال له الرئيس الكوري إن بايدن (رئيس أمريكا السابق) متخلف عقلياً. ولم ينس أن يقول بأن الرئيس الكوري “يحبني كثيراً”. أما حلف النيتو فهو، بحسب تعبيره “نمر من ورق، وليسوا شيئاً بدوننا، ونحن لا نحتاج إليهم، وهم جبناء”. وهو لا يحب الحرب، التي نسي، أو يتناسى، أنه عمل على إدامتها في غزة، وقام بغزو عسكري لدولة جارة مستقلة واختطف رئيسها وصادر نفطها، وأشعل الحرب بينه وبين إيران مرتين، وهو في خضم المفاوضات معها، فانقلب على المفاوضات وهي توشك أن تؤتي ثمارها. ومن طرائفه أنه في مؤتمر صحفي، من مؤتمراته الهزلية، لم يتردد عن القول، بأنه سيتعلم اللغة الأسبانية، وربما يرشح نفسه رئيساً لفنزويلا.

على هذا النحو تدور أحاديثه وتغريداته ومؤتمراته الصحفية. وكلها تنم عن شخصيته التجارية وجهله السياسي وعدم كفاءته لقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والإمساك بقرار الحرب والسلم فيها.

لقد أحاط هذا الرئيس نفسه بشلة من المنافقين والمصفقين، الذين يعرفون كيف يمدحونه ويرضون نرجسيته ويستغلون جهله، ولكل منهم أهدافه الخاصة التي لا علاقة لها بالأهداف العامة لشعبه ودولته. فقد تحول هؤلاء من دائرة البيع والشراء، كسماسرة وتجار عقارات ومستثمرين، إلى البيع والشراء في قضايا العالم ومصيره. فأصبحوا يمثلون خطراً على بلدهم وعلى البشرية كلها.

هذه هي أمريكا اليوم، وهذه هي قيادتها التي انتخبها الشعب الأمريكي، تحت تأثير التضليل الإعلامي والنصب المتقن لمجموعة من المليارديرات، القادرين على تمويل الانتخابات المكلفة، الذين يعتبرون الانتخابات صفقة، وممارسة السياسة لعبة، وإدارة قضايا العالم استثماراً خاصاً. قيادة لا تفقه من علم السياسة شيئاً، وليس مطلوباً منها أن تفكر، بل أن تنفذ ما يُملى عليها. وهي لا تحتاج إلى جهد ذهني ولا إلى ثقافة سياسية، بل ولا تحتاج حتى إلى أبسط قواعد العمل المنضبط، وأصول التعامل اللبق مع الحلفاء ومع الخصوم، بقدر ما تحتاج إلى الإذعان لمن وضعها في أعلى قيادة لأقوى دولة في العالم. والنتيجة هي هذا التهويش العجيب والكذب المقزز والفوضى المنفلتة والجرائم المرتكبة.

هذا الخطأ الكبير، الذي وقع فيه الناخب الأمريكي، يدفع ثمنه العالم كله، بمن فيه الشعب الأمريكي نفسه، الذي أسلم قياده لتجار غرباء عن الحياة السياسية، ممن لا يهمهم سوى مصالحهم الخاصة وأرباحهم التجارية، وليذهب العالم إلى الجحيم. وها نحن نعيش الجحيم على امتداد العالم، إلى جانب جحيمنا الخاص الذي صنعناه بأنفسنا. فهل سينجو صنَّاع الجحيم، بمستوياته المتعددة، المحلية والإقليمية والعالمية، هل سينجون من الجحيم الذي صنعوه؟ لا أظن ذلك، ولا أتمناه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى