الاخبارالاعلام المكتوبلوحات فنيةنوافذ ثقافية وسياحية

الآلة

بقلم الأستاذ عباس محمود العقاد 

 

الآلة

قصة الآلة أعجب القصص في تاريخ الإنسان؛ لأنها القصة التي نستطيع أن نبصر في خلالها عوامل الحضارة من بداءتها إلى ما انتهت إليه في أيامنا، وما تنتهي إليه بعد هذه الأيام، وهي إلى جانب ذلك قصة الحكمة الخالدة التي تتجلى لنا من وراء تاريخ الإنسان، ونستطيع أن نلمس عبرتها في أدوار ذلك التاريخ.

 

الآلة من عمل الإنسان، أو الإنسان من عمل الآلة؟

 

من قال: إن الآلة من عمل الإنسان لم نشعر بغرابة في قوله، ولكننا كذلك لا نرى أنه قال قولًا يستحق عناء ترديده؛ لأنه من تحصيل الحاصل، ومن تبيين ما لا يحتاج إلي بيان.

 

ولكننا نستغرب أن يقال: إن الإنسان من عمل الآلة، ولكنها الغرابة التي تتراءى بها كل حقيقة جديرة بالنظر فيها والبحث عنها، خفية عند النظرة الأولى، جلية بعد التأمل وإعادة النظر أصدق جلاء.

 

ليكن رأي العلماء ما يكون في مذهب النشوء والتطور، وليكن منهم من يقول: إن الإنسان حيوان من الحيوانات العليا، نشأ معها أو تسلسل منها، أو فليكن منهم من يرفض هذا القول، ويقصر التطور على كيان الإنسان عضويًّا حيويًّا أو أدبيًّا فكريًّا كيفما اختار.

 

ليقل من شاء هذا وليقل من شاء ذاك، فلا اختلاف بين الفريقين في حقيقة واحدة لا تتوقف على هذا القول أو ذاك، وهي أن استخدام الآلة كان من أوله أكبر فارق بين الإنسان والحيوان الأعجم، وإن الإنسان — لو بقي كالحيوان — عاجزًا عن استخدام الآلة لم تكن له حضارة، ولم تكن له حياة اجتماعية، أو فردية، تختلف كثيرًا عن حياة الحيوان.

 

إن الحيوانات في جملتها عاجزة عن استخدام الآلة على أبسط ما تكون في حالتها البدائية، عاجزة عن استخدامها دفعة واحدة على فترات متقطعة، وعاجزة عن مواصلة استخدامها من باب أولى.

 

فليس في وسع الحصان — مثلًا — أن يقذف حجرًا، أو يحمل عصًا أو يحرك شيئًا بواسطة من الوسائط غير أعضاء جسده.

 

وقد تستطيع الحيوانات العليا — كالقردة — أن تقذف بالحجر أو تحمل العصا من فروع الشجر، وربما استطاعت أن تحرك شيئًا بعيدًا عنها إذا شاهدت أمامها من يفعل ذلك، فعمدت إلى محاكاته وهي لا تدري ما تفعل، أو تدريه، ولا تبتدئه من عندها عن روية وتفكير.

 

ولكنها — سواء درت أو لم تدر — عاجزة عن مواصلة الانتفاع بالآلة البسيطة من الحجر أو من فروع الشجر؛ لأنها تحتاج إلى يديها لتمشي عليها، ولا تقوى على استخدام الرجلين والاكتفاء بهما في حركة المشي خطوة واحدة إذا هي انتقلت من مكانها.

 

فاستخدام الآلة وانتصاب قامة الإنسان أمران متلازمان، واستقامة الإنسان في وقوفه ومشيه هي الفاصل الواضح بين أطوار الحياتين: أطوار الحياة الإنسانية، وأطوار الحياة الحيوانية.

 

وبين انتصاب القامة وصلاح اليدين للعمل المتواصل المتعدد ملازمة ظاهرة في تكوين بنية الإنسان، وتكوين دماغه، وارتباط الحركة اليدوية بالحركة الفكرية في أعماله.

 

ولا يهمنا أن يقال في هذا السياق: إن الإنسان ارتقى؛ لأنه صنع الآلة أو أنه صنع الآلة لأنه ارتقى، فكلا القولين يفيد شيئًا واحدًا، وينتهي إلى نتيجة واحدة، وهي ارتباط تاريخ الآلة بتاريخ الإنسان وحضارته وتفكيره وسائر مزاياه التي ميزته من عامة الأحياء أعلاها وأدناها على السواء، فالإنسان حيوان صانع للآلات كما قال بنيامين فرنكلين في تعريفه الجامع المانع لهذا الحيوان الناطق بما ينطوي عليه معنى النطق من ملكة واستعداد، ومن قال: إن الآلة ميزت الإنسان بين أنواع الحيوان، فله أن يقول: إن الآلة صنعت الإنسان.

 

قلنا في كتابنا عن فرنكلين: «إن تعريف فرنكلين للإنسان في الحقيقة أصدق تعريف له وأوفاه بالشرط الجامع المانع في التعريف، فما من فارق بين الإنسان والحيوان أوضح وأثبت من قدرة الإنسان على صنع الآلة واستخدامها، وهذه القدرة هي المقصودة بتعريف فرنكلين لا وجه للاعتراض عليها بتفاوت الناس فيها، فليس الاعتراض الصالح على تعريف الإنسان بالحيوان الناطق أن بعض الناس لا ينطقون ولا يفكرون، وأن بعضهم يولدون بكمًا أو مجانين، وليس من الاعتراض الصالح على تعريف الإنسان بالحيوان الاجتماعي أن يشد بعض الناس ويتأبد في الخلاء وينفر من الاجتماع، ولكن العبرة من هذه القصة أوسع وأدق من أن يحيط بها تعليق واحد، وكفى منها هنا أن تبرز قدرة العقل العلمي المطبوع على التعريف وإقامة الحدود والفوارق، وأن تبرز تلك الرابطة الوثيقة في طبيعة فرنكلين بين الإنسانية وصنع الآلات.»

 

هذه الرابطة الوثيقة بين قصة الآلة وتاريخ الحضارة الإنسانية، أو تاريخ نوع الإنسان في تطوره وارتقائه، هي مدار العبرة الخالدة، ومظهر الحكمة الإلهية في ذلك التاريخ، وأدعى الأمور إلى إظهار هذه الحكمة أن نذكر أن الآلة قد فرضت على الإنسان اضطرارًا كما تفرض الأخطار والنكبات، وأن نذكر من آراء الناس فيها قديمًا وحديثًا كيف نظر إليها الهداة من الفلاسفة والقديسين، فإنهم لم ينظروا إليها قط نظرة المختار الذي يحمدها ويتمناها لأبناء نوعه، ولم يكن في أقوال الفلاسفة والقديسين عنها ما يدل على أنها من تدبير نوع الإنسان لنفسه، وإنما هي من تدبير آخر غير تدبير النوع الإنساني، يساق إليه حينًا على ما يريد، وأحيانًا على غير ما يريد.

 

المصدر؛ كتاب (القرن العشرين ما كان وما سيكون) .

 

#العقاد

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى