
تحية لأبي مالك الشبواني
بقلم دولة البروفيسور عبدالعزيز صالح بن حبتور
تحية لأبي مالك الشبواني
ربما من غير المألوف أن تتم الإشادة والكتابة عن شخصية وطنية عامة وهو لا يزال حياً يرزق ويعيش فينا وبيننا؛ يحيا بكل طاقته الحيوية، وعنفوان ذهنه، وأحاسيسه المرهفة التي عبر بها مؤخراً بمرثية حزينة بقصيدة معبرة عن شقيقه الأكبر/ الفقيد عوض مساعد حسين المرزقي طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه وأصدقاءه الصبر والسلوان، وأنا واحد منهم، لأن الفقيد تعود صداقتي به منذ كُنت طالباً يافعاً في مدرسة نصاب الإعدادية. وهنا أدعو الله العزيز القدير أن يتغمده بواسع رحمته وإنا لله وإنا إليه راجعون.
أما مناسبة الكتابة المستحقة عن صديقي الوفي/ أحمد مساعد حسين أبي مالك، هو الآخر، فقد تطول السيرة حوله لو تركنا العنان للقلم وللأفكار أن تسبح في فضاء شاسع ورحب، وهي مساحة مشواره الطويل والثري في النضال والعمل والاجتهاد، كي نسجل مآثره وعثراته. فهو رجل صال في قلب التاريخ بهمة الرجال وشجاعة الأبطال وتواضع الإنسان البدوي الأصيل٠
وفي عجالة رمزية عابرة سنسرد بعضاً من سيرته المبسطة المعقدة:
ينتمي هذا البطل لأسرة مكافحة لم تسعفها قدراتها وإمكاناتها المادية في إرساله إلى رحاب المدارس التي كان يرتادها أبناء النخبة من حكام المشيخات والسلطنات إبان حقبة الاستعمار البريطاني.
لكنه تعلم في إحدى كتاتيب المنطقة وامتلك ناصية الكتابة والقراءة بشكل جيد.
التحق كغيره من أبناء الفقراء في بلادنا في صفوف قوات الأمن العام للحصول على فرصة عمل ليس إلا لإعالة أسرته الفقيرة.
التحق مبكراً ضمن طلائع الجبهة القومية عضواً في إحدى الخلايا السرية لتحرير جنوب اليمن المحتل من قبل الاستعمار البريطاني.
بعد الاستقلال الوطني الناجز تدرج في السلم الحزبي والوظيفي، بدءاً من عضو خلية حزبية إلى انتخابه لعضوية اللجنة المركزية للتنظيم السياسي للجبهة القومية وبعدها عضواً باللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني ومكتبها السياسي.
وحينما انتقل قسراً لشمال الوطن نشط في صفوف حزب المؤتمر الشعبي العام إلى أن أصبح عضواً باللجنة العامة وفي هذه المسيرة المعقدة الطويلة تقلد العديد من المهام الإدارية والسياسية في شطري اليمن قُبيل وبعد الوحدة اليمنية.
تخللت مسيرته السياسية الطويلة محطات كان للتأهيل دور في بناء قدراته الذاتية في المدارس والمعاهد الحزبية في عدن وبرلين وبوتسدام وموسكو وكان بطبيعة الحال تأهيلاً موجهاً في سياق الفكرة المسموح بها في أي نظام شمولي مر في التاريخ الإنساني.
كان أحد أبرز اللاعبين السياسيين في الحوارات السياسية بين قيادتي شطري الوطن التي مهدت ليوم الوحدة، إذ كان شريكاً فاعلاً في معظم الوفود وفي اللقاءات المعلنة والسرية.
وبحسب المقربين الثقاة من حوله فقد امتلك خاصيتين في أثناء مسيرته المهنية هي الشجاعة والسياسة، إذ أنه من السياسيين القلائل الذين لا يقطعون شعرة معاوية في الغالب، فحاله يقول (إن شدوا الخيط أرخيت وإن أرخوا شددت) وهذا هو المبدأ البراغماتي في السياسة وتطبيقاتها العملية مُنذ ما يقارب أربعة عشر قرناً من الزمان وحتى يومنا هذا لمن (يفقهون)، ولكنه أيضاً يعمل وفق حكم الآية الكريمة:
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ – آل عمران الآية(159)، أي الجمع الخلاق بين اللين والشدة في اتخاذ القرار.
حصل على العديد من الأوسمة والميداليات عن أدواره البطولية في مجالات عدة وكان آخرها الدفاع عن قضية الوحدة اليمنية في العام 1994م.
عرفته عن قُرب في منتصف الثمانينات من القرن الماضي حينما كُنت معيداً ومسئولاً أول في الحزب الاشتراكي اليمني بجامعة عدن آنذاك وكان هو يشغل منصب رئيس جهاز الرقابة الشعبية التابع لمجلس الوزراء وبحكم اللقاءات العامة والخاصة استخلصت بل قرأت فيه المزايا الإنسانية الآتية:
أولاً: كان صادقاً وجاداً وحازماً مع كل رفاقه وأصدقائه وحريصاً على تقديم العديد من الخدمات لهم وبالذات للشباب الطامح القادمين من الريف اليمني ومن أي محافظة كانت ويردد مقولته المشهورة أنا سفير البدو الرُحل في هذا المنصب. وأتذكر إشادته الدائمة بالشباب الذين حققوا إنجازاً ملموساً في عالم الصحافة والإعلام وفي أي من مجالات الحياة المتعددة، وأبرز مثالين هما الفقيد/ عادل الأعسم والفقيد/ صالح الصائلي رحمة الله عليهما، وزاد بالإشادة لعدد من الشباب الأحياء الذي تنكر البعض له فيما بعد وهذه حكاية أُخرى لسيرة الإنسان على مر العصور.
ثانياً: كان عطوفاً بفئة الفقراء من الناس وبحسب علمي كان يقدم لهم المساعدات الممكنة من دخله الخاص.
ثالثاً: كان ولا زال مولعاً وشغوفاً بقراءة الكتب التاريخية والسياسية وبالذات ما يتصل منها بالشأن اليمني ولديه مراجعات ومطالعات تقويمية للعديد من الأحداث والوقائع التي مرت بها اليمن بشطريها وفي زمن الوحدة إلى الأحداث الدامية الحالية المؤلمة.
رابعا: يظل صديقي أبو مالك إنساناً رائعاً في هذا الزمان له إيجابيات وسلبيات الإنسان الطبيعي في هذه الحياة، يُحب ويكره، يأمن ويخاف، يحزن ويفرح، ولكنه يظل بن مساعد بن حسين العولقي الذي ملأ الدنيا عملاً وحضوراً وضجيجاً، بينما الآخرون كانوا وسيظلون ساكنين سكون الجماد.
كلمة أخيرة أود الإشارة إليها، أن الناعقين المهزومين الذين نسمع أصوات فحيحهم بين فينة وأخرى تتسرب إلينا من بين الشقوق وتتخفى خلسة خلف جُدر صماء لن يغيروا من تاريخ وحضور وفعل رفيقي/ أحمد مساعد حسين، أبي مالك متعه الله بالصحة وطول العمر، وحتى و إن بدا للبعض ابتعاده عن المشهد العام فأنه حاضر بثقل تاريخه وأفكاره ورجاله.
والله من وراء القصـد ،،،

